تصورات أخرى لأحداث الموت (1)

أعتقد أن العدم هو أصعب تصوّر لما بعد الموت و الحياة هي الاعتقاد الأكثر راحة و لكن و حيث أن النوم هو حالة بالنسبة لليقظة تشابه حالة الموت بالنسبة للحياة فمن المحتمل بشكل كبير أن يتلو الموت حياة و هذه الفكرة الأخيرة هي من جملة أفكار و براهين الحكيم أفلاطون حول خلود النفس أو الروح1.

من المؤكد أن موت جسد الكائن الحي أمر قائم و مُشاهد و لا مجال للشك فيه و قد تحدث كثيرون عن الموت و ما بعده و لم يقدم أحد إثباتا مُشاهدا إلا أن تكون افتراضات بعضها يلقى القبول لجميل ما يحتويه و بعضها لما يبيح من سلوكيات في الحياة و بعضها لما يحويه من منطق… إلخ.

لا أعتقد أن الخيال يأتي من العدم بكل حال، كل من حولك من أحياء و جوامد و متحرك و ساكن هي كاميرات تراقبك و تؤدي أفعالا عليك لتصور ردات فعلك على هذه الأفعال فلا مكان بدون مراقبة ولا شيء إلا لغاية و أنت الحالة الوحيدة الموجودة فعلا و عندما تموت لا شيء موجود إلا أشرطة و سجلات لكل ما قمت به فيما مضى.
إذن و بينما كنت تسهر في غرفتك تشاهد فيلما أو تتحدث إلى أصدقاءك من خلال برامج المحادثة و أهلك نائمون، أغلقت ما كنت تفعله و أطفأت الأنوار في غرفتك لتذهب للنوم تشعر بهدوء شديد، تدخل غرفة أخوتك فلا تجد أحدا، تدخل جميع الغرف التي ينام فيها أفراد عائلتك فلا تجد أحدا، يصيبك القلق فتخرج من المنزل و تركض إلى المنازل و تطرق الأبواب فلا أحد يجيب و تستمر هكذا إلى الصباح الذي تعتقد أن آت و أنت مصاب بالذعر تركض و تركض و تصرخ و تبكي و تنادي ولا أحد شيئا فشيئا تكتشف أن كل الأشياء حولك تختفي فلا أشجار ولا عمران ولا شيء مما كنت تراه سابقا و هناك ضوء و لكن لا ترى شمسا ولا مصدر إضاءة، ترى بقعة غريبة في الأرض بعيدا و تشعر أنها مختلفة فتركض إليها بكل سرعتك فلا تتعب ولا تعرق ولا تشعر بأي شعور جسدي إلى أن تصل فتجد كل الناس الذين عرفتهم و الكثير ممن لا تعرفهم إلا أنك تعرف بعضهم أنه كان شجرة أو سيارة أو رغيف خبز فتشعر أنك تعرفهم جميعا يقفون في صفين متقابلين فاسحين لك طريقا صغيرا بينهم، تمشي بهدوء و تنظر إليهم و تحدثهم فلا يجيبك أحد ولا تجد منهم إلا نظرات في كل نظرة أحدهم مشاهد من سلوكياتك التي صورك منذ قليل، تمشي و تمشي و تتذكر الكثير مما كان منسيا إلى أن تصل إلى حيث ستحاكم.

—————————————
1 هناك وجهات نظر كثيرة حول الفرق بين الروح و النفس ليس هنا موضع نقاشها.

Advertisements

الأوسمة: , , , , ,

4 تعليقات to “تصورات أخرى لأحداث الموت (1)”

  1. دعدوشة Says:

    وربما سأركض اليهم فيلتقطني أخي بحضنه وسيبارك جدي وصولي
    وستمسد لي جدتي شعري وتخبرني كيف أنني أشبهها كثيرا الان … وربما لن أطرق الأبواب
    التي لن تجيب .. ستكون كل البيوت التي مررت بها يوما عشعشت بها ذاكرتي ستبتسم لي بينما أحنو الى الهناك ..

    او ربما سيكون الموت سقوطا على كومة قطن حيث استيقظ وانا ابتسم كعادة استغرابي
    هكذا يكون حال تصوري للموت

    على الرغم من اللون الرمادي المحيط لتصوراتك الا انها ممكنة ..

    • salam Says:

      أهلين دعدوشة
      المجال مفتوح للخيال و في لحظات يميل لما يُحدث الكآبة و في أخرى يميل لما يبعث السعادة، تؤدي الحالة النفسية للمتخيل عملها و لا شيء يأتي من الفراغ.

      ربما تكون التصورات القادمة أقل رمادية و الأهم أن تحوي شيئا منطقيا.

      تحياتي

  2. rain Says:

    حين افكر في الموت لا اتمكن إلا أن اتصور وقع الخبر على جميع من يعرفني.. لربما لم اكن يوماً الرقم1 في حياة أي منهم.. لكن فكرة الفقدان.. اتوقف عندها كثيراً…
    تماماً كشعورنا عندما تفوتنا رحلة اثناء نومنا.. ونصحو على الفراغ…
    بكل الأحوال اعتقد ان في الموت السلام الأعظم لارواحنا/لروحي على الاقل..

    احب ما تكتب سلام واتابعه دوماً .. لكَ تحية

    • salam Says:

      أهلين rain

      أعتقد بأن الموت انتقال هام في وجود الروح و أتفق مع الرأي القائل بأن الحياة شر و لا بد أن يعقبها خير لذلك أميل لاعتبار الموت انتقال إلى ما هو أفضل.

      الفقدان صعب و حالات أخرى تكون صعبة عندما نفكر فيها ضمن معايير وجودنا الآن لكن هل تبقى كذلك في معايير الوجود بعد الموت؟!

      شكرا لوجودك و متابعتك، لك مني أطيب التحيات.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: